محمد رأفت سعيد
223
تاريخ نزول القرآن الكريم
بهذا فلما همّ أصحاب الفيل على تخريب البيت أرسل الله عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل ، فجعلهم كعصف مأكول ، ويبين النبي صلّى اللّه عليه وسلم أن هذه الحرمة منذ خلق الله السماوات والأرض وهي دائمة ومستمرة إلى يوم القيامة فيقول : « إن هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السماوات والأرض ، وهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة ، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ، ولم يحلّ لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه ولا ينفّر صيده » متفق عليه « 1 » . وثبت في الحديث أيضا أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم قال : « يغزو هذا البيت جيش حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بأولهم وآخرهم » الحديث « 2 » . ولذلك كان القاتل يمشى في الحرم مع ولى المقتول ، ويقف السّبع عن الظّبى ونحوه من الصيد إذا دخل الحرم وذلك بدعاء إبراهيم عليه السّلام إذ قال ما جاء في كتاب الله تعالى : رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 126 ) [ البقرة ] . ولذلك لما تعلل المشركون بأنهم إن اتبعوا رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم فإن هذه المكانة ستضيع كان من رد القرآن الكريم عليهم أن ذكر بهذه النعمة ، وأنه سبحانه هو الذي منح المكان حرمة ، ومنحه رزقا عظيما قال تعالى : وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 57 ) [ القصص ] . فالنعمتان عظيمتان : إطعام من جوع ، وأمن من خوف ، وذلك أن الله تعالى آمنهم بالحرم فلم يتعرّض لهم في رحلتهم ، فكان ذلك سببا لإطعامهم بعد ما كانوا فيه من الجوع . فالأمن بالحرم إن حضروا حماهم ، وإن سافروا قيل : هؤلاء أهل الحرم فلا يعرض لهم أحد ، قال ابن كثير رحمه الله : ثم أرشدهم إلى شكر هذه النعمة العظيمة فقال : فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ ( 3 ) أي فليوحدوه بالعبادة كما جعل لهم حرما آمنا وبيتا محرّما كما قال تعالى : إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 91 ) [ النمل ] . ثم يقول : فليفردوه بالعبادة وحده لا شريك له ولا يعبدوا من دونه صنما ولا ندا ولا وثنا . قال : ولهذا من
--> ( 1 ) حدائق الأنوار لابن الديبع 1 / 86 . ( 2 ) ابن كثير 3 / 215 .